الجاحظ
30
المحاسن والأضداد
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت * ولا أنا من جمعه أشبع وأقعد للجهل في مجلس * وعلمي في الكتب مستودع ومن يك في علمه هكذا * يكن دهره القهقرى يرجع يضيع من المال ما قد جمعت * وعلمك في الكتب مستودع إذا لم تكن حافظا واعيا * فجمعك للكتب ما ينفع وقال بعضهم : « الحفظ مع الإقلال أمكن ، وهو مع الإكثار أبعد . وتغيير الطبائع زمن رطوبة الغصن أقبل » . وفيها قال الشاعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا وقيل : « العلم في الصغر كالنقش في الحجر ، والعلم في الكبر كالعلامة على المدر . . » فسمع ذلك ، الأحنف ، فقال : « الكبير أكثر عقلا ولكنه أكثر شغلا » ، كما قال : وإنّ من أدّبته في الصّبا * كالعود يسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقا ناضرا * بعد الذي أبصرت من يبسه والصبيّ عن الصبيّ أفهم ، وهو له آلف ، وإليه أنزع ؛ وكذلك العالم عن العالم ، والجاهل عن الجاهل . وقال اللّه تعالى : « ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا » ، لأن الإنسان عن الإنسان أفهم ، وطباعه بطباعه آنس . وضده ، قال : دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب ، فقال : « إني أكلت من لحوم الجوازئ « 1 » ، وطسئت طسأة « 2 » ، فأصابني وجع بين الوابلة « 3 » إلى دأية « 4 » العنق ؛ فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الشراسيف « 5 » ؛
--> ( 1 ) الجوازئ : جمع جازئة وهي البقرة أو الظبية . ( 2 ) طسئت طسأة : اتخمت تخمة من أكل الدسم . ( 3 ) الوابلة : طرف العضد في الكتف . ( 4 ) دأية : فقرة أو عظم العنق . ( 5 ) الشراسيف : جمع شرسوف وهو طرف الضلع من جهة البطن .